حبيب الله الهاشمي الخوئي
30
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
قيل لأعرابيّ : ألك زرع فقال : نعم ولكن أتانا زجل من جراد بمثل مناجلي الحصاد فسبحان من يهلك القوىّ الأكول بالضعيف المأكول . وفي حيوة الحيوان للدميري عن ابن عمر أنّ جرادة وقعت بين يدي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فإذا مكتوب على جناحها بالعبرانية : نحن جند اللَّه الأكبر ولنا تسع وتسعون بيضة ولو تمّت لنا المأة لأكلنا الدّنيا بما فيها . وكيف كان فلا يستطيع أحد لدفعها ( حتّى ترد الحرث في نزواتها ) ووثباتها ( وتقضى منه شهواتها ) فترد الحرث باختيارها وترحل عنها باختيارها . قال الأصمعي : أتيت البادية فإذا أعرابيّ زرع برّا له ، فلما قام على سوقه وجاد سنبله أتاه زجل جراد فجعل الرّجل ينظر إليه ولا يدري كيف الحيلة فيه فأنشأ يقول : مرّ الجراد على زرعي فقلت لها لا تأكلن ولا تشغل بافساد فقام منهم خطيب فوق سنبلة إنا على سفر لا بدّ من زاد وقوله ( وخلقها كلَّه لا يكون إصبعا مستدقة ) تنبيه على تمام التعجّب بما أودع فيها من بديع الصنعة ، يعني أنّها يرهبها الزراع ويخافها الحراث ويهابها الملاك والحال أنها مخلوق ضعيف صغير حقير حتّى أنها لو شرح أوصافها المذكورة لمن لم يرها أصلا اعتقد أنّ الموصوف بها لا بدّ أن يكون خلقا عظيم الجثّة قوىّ الهيكل حتّى يصلح استناد هذه الأوصاف إليه ولم يكن له مزيد تعجّب ، فإذا تبيّن له صغر حجمه زاد تعجّبا . ( فتبارك ) أي تعالى ( اللَّه الَّذي يسجد له * ( مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) ) * أراد بالسجدة معناها الحقيقي ، لأنّه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين طوعا حالتي الشدّة والرخا ، والكفرة له كرها حال الشدّة والضرورة فقط أو معناها المجازي أعنى مطلق الخضوع أعمّ من التكليفي والتكويني أي الدّخول تحت ذلّ الافتقار والحاجة ، والأوّل مبنيّ على كون لفظة من مخصّصة بذوي العقول والثاني على عدم الاختصاص .